أبو الليث السمرقندي
627
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
للمسلم أن يصبر على أذاه في اللّه ، وصارت الآية تنبيها لجميع المسلمين ليصبروا على ما أصابهم في اللّه عز وجل . ثم قال : وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ يعني : لو يجيء نصر من اللّه عز وجل بظهور الإسلام ، والغلبة على العدو بمكة وغيرها لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أي : على دينكم أَ وَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ يعني : أوليس اللّه عليم بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ من التصديق والتكذيب أعلم بمعنى عليم يعني : هو عليم بما في قلوب الخلق . ويقال : معناه هو أعلم بما في صدورهم منهم ، أي بما في صدور أنفسهم . قوله عز وجل : وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا يعني : ليميزن اللّه الذين ثبتوا على الإسلام وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ يعني : ليميزن المنافقين الذين لم يكن إيمانهم حقيقة . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 12 إلى 15 ] وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 12 ) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ ( 13 ) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ ( 14 ) فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ ( 15 ) قوله عز وجل : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي : جحدوا وأنكروا لِلَّذِينَ آمَنُوا وذلك : أن أبا سفيان بن حرب ، وأمية بن خلف ، وعتبة بن شيبة ، قالوا لعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : وخباب بن الأرت ، وأناس آخرين من المسلمين : اتَّبِعُوا سَبِيلَنا يعني : ديننا الذي نحن عليه ، واكفروا بمحمد عليه السلام ودينه وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ يعني : نحن الكفلاء لكم بكل تبعة من اللّه عز وجل تصيبكم ، وأهل مكة شهداء علينا . يقول اللّه عز وجل : وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ يعني : لا يقدرون أن يحملوا خطاياهم ، يعني : وبال خطاياهم عنهم ، ولا يدفعون عنهم ، لأنهم لو استطاعوا أن يدفعوا لدفعوا عن أنفسهم إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في مقالتهم . ثم قال عز وجل : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ يعني : أوزار أنفسهم يكون في عنقهم ، وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ يعني : يحملون أوزار الذين يضلونهم من غير أن ينقص من أوزار العاملين من شيء ، وهذا كقوله عز وجل : لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ [ النحل : 25 ] وهذا كما روي في الخبر « من سنّ سنّة سيّئة ، كان عليه وزرها ، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة » ثمّ قال : وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ يعني : عما يقولون من الكذب . قوله : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً يدعوهم إلى الإسلام ، ويحذرهم وينذرهم ، فأبوا أن يجيبوه فكذبوه فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ يعني : الغرق وَهُمْ